المحبة والمودة عند النبي صلى الله عليه وسلم

image_pdfimage_print

 

 

أما بعد : أيها المؤمنون ، أيتها المؤمنات :

إن هناك جوانب متعددة لعظمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وعلو قدرهم ، وسمو مكانتهم في تاريخ البشر على هذه الأرض ..

ولعل أهم جانب اجتمعت عليه قلوبهم ؛ هو : المحبة والمودة ..

      هذا ؛ وإن أعلاهم مرتبة ، وأولهم درجة ، على الإطلاق : سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو النـبي المحب ، والرسول الودود ؛ بل هو سيد المحبيـن ، وسلطان أهل المودة أجمعين ..

فاق النبيين في خَلق وفي خُلق/ولم يدانوه في حِلم ولا كرم فمبــلغ العـلم فيه أنـه بشر   وأنه خـير خـلق الله كلهم .

وإذا بحثتَ في السيرة المحمدية كلها ، في الأقوال والأفعال ، والنيات والمقاصد ، والأفكار والرؤى ؛ وجدت أمرا واحدا يجمع بينها ؛ ألا وهو : المحبة والمودة .

      ما السر في أن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بلغ القمة في طاعة الله وعبادته والاستقامة على أمره والالتزام على حدوده ، إنه فعل ذلك لأنه إنسان نبي شديد الحب لله عزوجل ..

      وما الحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بلغ الدرجة العالية في نشر الخير بين الناس ؛ إنه فعل ذلك لأنه إنسان نبي شديد الحب في إيصال الخير والرحمة للإنسانية كلها ..

      إن النـفس المحمدية ، والقلب المحمدي ، والعقل المحمدي ؛ فطروا جميعا على الطهر والصفاء والنقاء ، وخلقوا على الحب والود والوفاء ، وإنك عندما تنظر إلى السيرة النبوية كلها : تجد حياة نبي محب ودود رحيم ؛ لا حياة متكلف أو متصنع !

      ” إنه صلى الله عليه وسلم إذا سجد وأطال السجود ، وسُمع وَجيبُ قلبه ، ونشيج تضرعه وبكائه .. فذلك لأنه في غمرة شوق جارف ، ومحبة آخذة .

      ولهذا كان ينتظر الصلاة على شـوق .. فإذا جاء ميعادها ؛ قال لمؤذنه : ( أرحنا بها .. يا بلال ) .. أجل : أرحنا بها..لا أرحنا منها “.

وهو صلى الله عليه وسلم إذا نشر الخير بين الناس ؛ فعل ذلك وقلبه مفعم بالحب لهم ، والرحمة بهم .. تعلوه الابتسامة الصادقة ، وتصاحبه البشاشة الصافية ، وتـشع منه الدماثة الصالحة ..

وهذا هو الفارق بين أداء العمل على حب ، وبين أدائه على تكلف ! بين أداء العمل على أنه عبادة ، وبين أدائه على أنه عادة ، بين أدائه على أنه شعيرة ومبدأ ، وبين أدائه على أنه شهوة وهواية .

وهذا هو السبب في أن كل من رآه بحـق ، وعرفه بيقين ؛ إلا أحبه ، وأسلم قلبه معه لله رب العالمين ؛ وصدق الله عز وجل إذ يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ؛ جاءوك ، فاستغفروا الله ، واستغفر لهم الرسول ؛ لوجدوا الله توابا رحيما ) [ النساء : 64 ] .

يا سيدي يا رسول الله :                              

أنت الذي نــشر السلام على/الوجـود وأعـلن التوحيدا

من سار في هدي الحبيب محمد   سعدت به الدنيا ومات سعيدا

إن الحب المحمدي متنوع ومتعدد على مراتب : 

فهو حب مهيب موصول بالله الجليل ، وإذا نظرت إلى المناجاة النبوية ، والأدعية والأذكار الشريفة ؛ وجدتها نابعة من قلب معقود على : التعظيم والتقديس والإجلال لله جل في علاه .

في الطائف : كان رافعا يديه باكيا لله ؛ يناجيه ، فيقول :

( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس .. أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ..

إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري !

إن لم يكن بك غضب علي ؛ فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي ..

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ؛ أن يحل علي غضبُك ، أو أن ينزل بي سُخْطُك ..

لك العتبى .. حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) ..

نعم ؛ هكذا هي المحبة الإيمانية ، وهكذا هي المودة الربانية ؛ تشع أنوارُها في هذه المناجاة المحمدية وأمثالها ..

ثم إن الحب المحمدي كذلك : حب عامر متدفق على الناس أجمعين ؛ بل هو المعلم الأول على الإطلاق في نشر التحابب بين الناس ، وفي تأليف قلوبهم عليه .

يقول عليه الصلاة والسلام : ( والذي نفسي بيده : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه ؛ تحاببتم بينكم : أفشوا السلام بينكم ) .

إن التحابب بين الناس هو الذي يجعل الحياة طيبة ، والمعيشة هنيئة ، والعمران البشري صالحا ؛ وذلك عندما يتعاشر الناس بقيم الإيمان ومكارم الأخلاق ..

ويقول عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثٌ ؛ يُصْـفين لك وُدَّ أخيك : تسلِّمُ عليه إذا لقيتَه ، وتوسِّعُ له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسمائه إليه ) .

إن المحبة الإسلامية ينبغي أن تبدأ بين الأفراد ؛ بحيث تنطلق من قلوبهم ، وتـتـطيبُها نفوسهم ، ويتمسكون بها طول حياتهم ، وتكون جزءا من سلوكهم في معاملاتهم ..

ويقول : ( إن أحبَّكم إليَّ ؛ أحاسنُكم أخلاقا : الموطَّأون أكنافا ؛ الذين يَألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إليَّ ؛ المشَّاءون بالنميمة ، المفرِّقون بين الأحبة ، الملتمسون للبرآء العيب ) ..

إن صفاء النفس في حب الناس ؛ هو ثمرة الأخلاق ونتيجة الإيمان ، وهذا لا يكون إلا ممن فهم المنهج النبوي ، وأحبه ؛ فالتزمه واستقام عليه  .

ويقول : ( إن من عباد الله : أناسا ؛ ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى ! قالوا : يا رسول الله ، تخبرنا من هم ؟ قال : هم قوم تحـابوا بروح الله ، على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ؛ فوالله إن وجوههم لنور .. وإنهم لعلى نور .. لا يخافون إذا خاف الناس .. ولا يحزنون إذا حزن الناس ) ؛ ثم تلا قول الله تعالى : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ يونس : 62 ] .

وهكذا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أن الحب في الله : عبادة ، وطاعة ، وقربة ؛ تجعل صاحبه وليا من أولياء الله عز وجل .

يا سيدي يا رسول الله ؛ نشهد أنك أنت النبي الذي جئت بالمحبة الجامعة كلها ، وأنت الرسول الذي وهبت للناس المودة التي يفـتقدونها ، وأنت المبعوث من الله : رحمة ، ومنة ، ونعمة ، وسلاما ، وخيرا ، وحقا ؛ للناس أجمعين ، للعالمين ..

يا سيدي يا أبا القاسم ؛ يا نور قلوبنا :

يا من له عز الشـفاعة وحده     وهو المـنـزَّه ما له شفعاء

عرش القيامة أنت تحت لوائه     والحوض أنت حياله السقاء

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا     مـنها وما يتعشق الكبراء

زانتك في الخُلق العظيم شمائلٌ     يُغرى بهن ويولع الكرماء

اللهم أحينا على سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمتنا على ملته ، واجعل في قلوبنا رأفته ومحبته ، واستعملنا في نصرة رسالته ..

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله الكريم لي ولكم ؛ فاستغفروه ، إنه هو الغفور الرحيم ..

وصلى الله وسلم وبارك وأنـعم ؛ على سيدنا النبي الأكرم ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمد رسول الله الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وأصحابه الصادقين الأكرمين ، ومن اهتدى بهديهم أجمعين ..

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ..

اللهم ربنا : نشهد ونحيى ونؤمن بك ، ونقر بوحدانيتك ، ونستعينك ونتوكل عليك ، ونستغفرك ونتوب إليك ، ونخشى سطوتك ، ونرجو رحمتك ، أنت المؤمن ، وأنت الباعث ، وأنت الوارث ، وأنت الواحد ، وأنت المعين ، وأنت الكافي ، وأنت الغفار ، وأنت التواب ، وأنت القهار ، وأنت الجبار ، وأنت الرحمن الرحيم .. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين .

اللهم إنا نقف بوصف الذل والفقر والمسكنة ؛ على باب عزك وغناك وكرمك ، ونمد كف الفقر والفاقة ؛ لوسيع عطائك .. يا عزيز يا غني يا كريم يا واسع يا معطي ..

يا من توحد بالأحدية في الأزلية ، وتفرد بالوحدانية في الأبدية ؛ لك سبحانك : عزُّ الفردانية ، ومُلك الربوبية ، وعظمة الألوهية ، ولك الصفات القدسية ..

أنت سبحانك : الواجب الوجود ، وخالق الوجود ، والواهب الودود ، والرب المعبود ..

أنت أهل الثناء والخير والحمد ، والكبرياء والعظمة والتمجيد والمجد ، ما حواك مكان ، ولا أحاط بك زمان ، وأنت كل يوم في شان ، تضع وترفع ، وتعـطي وتمنع ، قدرتُك قاهرة ، وأحكامك باهرة ، وأنوارك ظاهرة ، وصفاتك طاهرة ، وأنت مالك الدنيا والآخرة .. حكمك عدل ، وإحسانك فضل ، لا إله إلا أنت ما أجل وصفك ، وما أبدع فعلك ، وما أشرف ذاتك .. تعاليت عن الشبيه والنظير ، والمشير والوزير ، سبحانك يا كبير ، سبحانك يا قدير ، سبحانك ما أعظم شانك ، أنت أهل الكمال والجلال والبهاء ، والعظمة والتقديس والتنزيه ..

لك الحمد يا رب على أن أرسلت إلينا رسولا خاتما من عندك ..

ولك الشكر يا رب على أن جعلتـنا من : أمته وأتباعه ، وأنصاره وأحبابه ..

فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ الذي أشرقت بنوره الظلم ..

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ المبعوث رحمة لكل الأمم ..

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ الموصوف بأفضل الأخلاق والشيم .

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ الناطق بجوامع الكلم ومنابع الحكم .

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ كما أمرتنا أن نصلي عليه ..

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ بما يليق بمقامه ..

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ؛ وعلى آل سيـدنا محمد ؛ صلاة تكون لك رضاء ، وله جزاء ، ولحقه أداء ، وأعطه الوسيلة والفضيلة ، والمقام المحمود الذي وعدته ، وأجزه عنا ما هو أهله ، وأجزه عنا أفضل ما جازيت نبيا عن قومه ورسولا عن أمته .

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته ؛ عدد ما في علمك : صلاة دائمة بدوام ملكك ..

اللهم وصل وسلم على جميع إخوانه من النبيئين والصالحين ؛ يا أرحم الراحمين .

عباد الله ؛ أيها المؤمنون ، أيتها المؤمنات :

يقول الله جل جلاله في الحديث القدسي :

( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا ..

يا عبادي كلكم ضال ؛ إلا من هديته ، فاستهدوني : أهدكم ..

يا عبادي كلكم جائع ؛ إلا من أطعمته ، فاستطعموني : أطعمكم ..

يا عبادي كلكم عار ؛ إلا من كسوته ، فاستكسوني : أكسكم ..

يا عبادي كلكم تخطئون بالليل والنهار ، و أنا أغفر الذنوب جميعا ؛ فاستغفروني : أغفر لكم ..

يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ..

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ؛ كانوا على أتقى قلب رجل منكم : ما زاد ذلك في ملكي شيئا ..

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد: ما نقص ذلك من ملكي شيئا ..

يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ؛ قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته : ما نقص ذلك مما عندي ؛ إلا كما يُنقص المِخيَط إذا أدخل في البحر ..

يا عبادي إنما هي أعمالكم ؛ أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ..

اللهم إنا نسألك التوبة الكاملة ، والمغفرة الشاملة ، والمحبة الجامعة ، والخلة الصافية ، والمعرفة الواسعة ، والأنوار الساطعة ، والشفاعة القائمة ، والحجة البالغة ، والدرجة العالية ..

اللهم بمواهب المنة ، فك وثاقنا من المعصية ، ورهاننا من النقمة .

اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها .

اللهم اجعلنا عند الموت ناطقين بالشهادة عالمين بها ، وارأف بنا رأفة الحبيب عند الشدائد ونزولها ، وأرحنا من هموم الدنيا وغمومها ، واجعلنا من أهل الجنة ونعيمها .

      اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت ، اللهم آمن خوفنا ، ولا تخيب رجاءنا ، وأعطنا سؤلنا .

      اللهم نعم الرب أنت ، فلك الحمد على ما أنعمت ، فاغفر لنا ولا تعاقبنا بالسلب بعد العطاء ، ولا بكفران النعم وحرمان الرضا .

اللهم رضِّنا بقضائك ، وصبرنا على طاعتك ، وباعد عنا معصيتك ، وهب لنا حقيقة الإيمان حتى : لا نخاف ولا نرجو ولا نحب غيرك ، ولا نعبد شيئا سواك .

اللهم أوزعنا شكر نَعمائك ، وغطنا برداء عافيتك ، وانصرنا باليقين والتوكل عليك ، وأسفر وجوهنا بنور صفاتك ، وأضحكنا وبشرنا يوم القيامة بين أوليائك ، واجعل يدك مبسوطة علينا وعلى أهلنا وأولادنا ومن معنا برحمتك ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك يا نعم المجيب .

( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) .

( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) ..

اللهم وحد صفوفنا ، واجمع كلمتنا ، ولم شملنا ، وآمن روعاتنا ، واستر عورانتا ، وانصرنا على من ظلمنا ..

( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك غفور رحيم ) ..

عباد الله ؛

( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) .

اذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم .

ولذكرُ الله أكبر ..

والله يعلم ما تصنعون ؛ فاحذروه .

والله يعلم ما تصنعون ؛ فاحذروه .

والله يعلم ما تصنعون ؛ فاحذروه .

ألا هل بلغت ؛ اللهم فاشهد ، اللهم فاشهد ، اللهم فاشهد