العدْلُ في رِعَايةِ الـعُمّالِ

image_pdfimage_print

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
العدْلُ في رِعَايةِ الـعُمّالِ

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ الكرام ؛ أيتها المؤمنات الكريمات:

إنه  بِتَقْوَى اللهِ تُعْمَرُ الرُّبُوعُ والدِّيَارُ، وبِها يَسُودُ الرَّخَاءُ والاستِقْرارُ، فَاتَّقُوا اللهَ ورَاقِبُوهُ، وامتَثِلُوا أَوَامِرَهُ ولاَ تَعْصُوهُ، واعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الاهتِمَامَ بِإِقَامَةِ المَشَارِيعِ الإِنْتَاجِيَّةِ، والتَّنَافُسَ فِي إِنْشَاءِ المُؤَسَّسَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ، وتَنَوَّعَ المَجَالاَتِ المِهَنِيَّةِ، كُلُّهَا مَطَالِبٌ تُقِرُّهَا الشَّرِيعَةُ الإِسلاَمِيَّةُ، وتَنْدُبُ إِلَيْها الآيَاتُ القُرآنِيَّةُ، شَرِيْطَةَ أَنْ تَتَحلَّى بِأَعلَى القِيَمِ العَدْلِيَّةِ، ويَتَمثَّلَ القَائِمُونَ عَلَيْها والعَامِلُونَ بِها أَقْوَمَ الصُّوَرِ الأَخْلاَقِيَّةِ، قَالَ تَعالَى: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))(1)

ولِكَي تَتَحَقَّقَ هَذِهِ الصُّورَةُ المُثْلَى، وتَتَجلَّى هَذِهِ القِيَمُ العُلْيَا، كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ الحُقُوقِ والوَاجِبَاتِ، وإِيضَاحِ مَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ العَمَلِ مِنَ الالتِزَامَاتِ، ومَا كَلَّفَهُ بِهِ الشَّرْعُ مِنَ المَسؤولِيَّاتِ، فَالمُؤَسَّسَاتُ الاقتصادية مَجَالٌ لِلتَّنْمِيَةِ والرُّقِيِّ والإِعَانَةِ، وَوَسِيلَةٌ لِلْكَسْبِ تُجَنِّبُ أَفْرَادَ المُجتَمَعِ ذُلَّ السُّؤالِ ومَا فِيهِ مِنَ المَهَانَةِ، وهِيَ مَقَاصِدٌ لاَ تَتَحقَّقُ إِلاَّ بِالعَدْلِ مَعَ العُمَّالِ والإِنْصَافِ، والبُعْدِ عَنْ كُلِّ صُوَرِ الظُّلْمِ والإِجْحَافِ.

 إِنَّ العَدْلََ والإِنْصَافَ مَعَ الأَجِيرِ وإِعْطَاءَهُ كَامِلَ حَقِّهِ، وَحُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَهُ بِتَسْهِيلِ سُبُلِ رِزْقِهِ، لَيْسَ خُلُقاً كَرِيماً فَقَط، بَلْ هُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، وتُستَمْطَرُ بِهِ نَفَحَاتُهُ ورِضْوانُهُ.

  أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكرام ؛ أيتها المسلمات الكريمات :

 أَوَّلُ مَا يَجِبُ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ عَمَلِهِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ طَبِيعَةَ العَمَلِ بِصَغِيرِ أَمْرِهِ وجَلِيلِهِ، فَالوُضُوحُ صِفَةٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي الحَيَاةِ، ونُورٌ يُضِيءُ طَرِيقَ النَّجَاةِ، ولَقَدْ ضَرَبَ لَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ مِثَالاً رَائعاً فِي وُضُوحِ المُتَعاقِدَينَ، وصُورَةً مُشْرِقَةً لِلْعَلاَقَةِ بَيْنَ أَربَابِ العَمَلِ والعَامِلينَ، فَهَذا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الرُّجُلِ الصَّالِحِ قَالَ لَهُ: ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ))(3)، هَذَا هُوَ العَقْدُ الكَامِلُ الوَاضِحُ، الذِي يُثْمِرُ العَمَلَ المُنْتِجَ الرَّابِحَ، المُهْمَّةُ هِيَ العَمَلُ بِالرَّعْيِ والسَّـقْيِ كَمَا هُوَ مَعلُومٌ، والأُجْرَةُ هِيَ الزَّواجُ مِنْ إِحْدَى هَاتَيْنِ الفَتَاتَيْنِ مُبَيَّنٌ مَرسُومٌ، والمُدَّةُ ثَماني سَنَواتٍ مُلْزِمةٌ، وسَنَتانِ اختِيَارِيَّةٌ لَيْسَ فِيهِما إِلْزَامٌ، أَمَّا رَبُّ العَمَلِ فَهَذِهِ صِفَاتُهُ حَسبَ تَوجِيهِ القُرآنِ: ((وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ))، فَهُوَ لاَ يَشُقُّ عَلَى العَامِلِ، ولاَ يُحَمِّلُهُ مَا لاَ يُطِيقُ، ولا يُعَنِّتُـهُ ولاَ يُكَلِّفُهُ، فَلَيْسَ فِي العَمَلِ أَعْبَاءٌ يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِها، ولاَ مَسؤولِيَّاتٌ يَضْعُفُ عَنْها، ثُمَّ قَالَ: ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)) أَيْ مِنَ الصَّالِحينَ فِي أَخْلاَقِهِ ومُعَامَلَتِهِ، وفِي رِفْقِهِ وحِلْمِهِ، وَقَدْ وَافَقَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وأَعْلَنَ ذَلِكَ فَقَالَ: ((ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ))، وهَاهُنَا يَظْهَرُ التَّرَاضِي التَّامُّ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ والاتِّفَاقُ عَلَى شُروطِ العَمَلِ، ثُمَّ قَالَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: ((وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ))، إِنَّهَا كَلِمَةٌ عَظِيمَةُ الدَّلاَلَةِ، تُؤَكَِّدُ أَنَّ الحُقُوقَ لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ مِنْ خِلاَلِ الضَّمِيرِ الحَيِّ الذِي يُرَاقِبُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ، ويَعْلَمُ أَنَّهُ مَوقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ قَضَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- أَطْوَلَ الأَجَلَيْنِ، لأَنَّهُ رَجُلٌ كَرِيمٌ جَوَادٌ مِعْطَاءٌ، فَقَدْ رَضِيَ أَنْ يَشْتَغِلَ عَشْرَ سَنَواتٍ، انْتَهَتْ بِدُونِ مُشْكِلاَتٍ، فَلاَ تَأْخِيرَ فِي العَمَلِ، ولاَ مُمَاطَلَةَ فِي الأَجْرِ.

إِنَّ العَامِلَ -حِينَ قَبُولِهِ لِلْعَمَلِ- يَعْلَمُ طَاقَاتِهِ، ويُدْرِكُ مُيوُلَهُ ورَغَباتِهِ، وبِالوُضُوحِ يُدْرِكُ وَاجِبَاتِهِ ومَسؤولِيَّاتِهِ، والعَقْدُ شَرِيعَةُ المُتَعاقِدَينَ، وأَيُّ تَعْدِيلٍ أَو إِضَافَةٍ فِي بُنُودِهِ يَجِبُ أَنْ تَقَعَ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ، فَتَغْييرُ مِهنَةِ العَامِلِ إِلَى مِهْنَةٍ أَشَقَّ مِنْهَا، أَو أَدنَى مِنْ مُستَواهَا، لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِرِضَاهُ، فَلَعلَّ فِي ذَلِكَ مَا يَشُقُّ عَلَى طَاقَتِهِ وقُواهُ، وَرَبُّ العَمَلِ يَجِبُ أَنْ يَحْسِبَ لالتِزامَاتِ العَمَلِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الحِسَابِ، لِيُجَنِّبَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ والعَامِلينَ مَعَهُ الأَزَمَاتِ والصِّعَابَ، فَلاَ يُقْدِمُ عَلَى تَعْيِينِ عَامِلٍ مَا لَمْ يَتَوفَّرِ العَمَلُ المُنَاسِبُ لَدَيْهِ، وفِي مُؤَّسَستِهِ مَا يَكْفِي مِنَ الدَّخْلِ لِلإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى شَيءٍ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوَفَاءُ، ولَزِمَهُ دَفْعَ رَاتِبِهُ بِلاَ مُمَاطَلَةٍ ولاَ إِبْطَاءٍ، يَدفَعُهُ إِلَيْهِ فِي الوَقْتِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَينَهُمَا، وبِالقَدْرِ المُبَيَّنِ فِي اتِّفَاقِهِمَا، قَالَ تَعالَى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))(4)، وَفِي الحَدَيثِ عَنِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-  أَنَّهُ قَالَ: ((أعطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكرام ؛ أيتها المسلمات الكريمات :

   إِنَّ الأُجْرَةَ المَالِيَّةَ لَيْسَتْ وَحْدَهَا مَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ العَمَلِ، بَل رُبَّمَا اقتَضَتِ الضَّرورَةُ أَو أَوْجَبَ عَقْدُ العَمَلِ حُقُوقاً أُخْرَى لِلْعَامِلِ، ومِنْ ذَلِكَ السَّكَنُ والمَأْوَى، فَقَدْ يَكُونُ العَمَلُ فِي مَنْطِقَةٍ لاَ يُمكِنُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُدَبِّرَ فِيهَا سَكَنَهُ بِنَفْسِهِ، ورُبَّمَا كَانَ تَوفِيرُ السَّكَنِ مَنْصُوصاً عَلَيْه فِي العَقْدِ المُبْرَمِ بَيْنَهُمَا، وهُنَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ العَمَلِ تُوفِيرُ السَّكَنِ المُنَاسِبِ المُكْتَمِلِ الخِدمَاتِ، وتَزْويِدُهُ بِمَا يَحتَاجُهُ سَاكِنُهُ مِنَ المُرفَقَاتِ، ومَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ سَائرِ الخِدمَاتِ، والتِي أَصْبَحَتْ فِي عُرْفِ النَّاسِ مِنَ الضَّرورَاتِ .

هَذَا وإِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَسَاكِنِ العُمَّالِ والمُوظَّفِينَ، مُراعَاةَ تَوزِيعِهم عَلَى أُسُسٍ لاَ تَمُسُّ الأَخلاَقَ والدِّينَ، أَخْذاً فِي الاعتِبَارِ التَّبَايُنَ فِي المُعتَقَداتِ والأَفْكَارِ، فَـ((لاَ ضَررَ ولاَ ضِرارَ)) فِي الإِسلاَمِ، ويَدْخُلُ فِي هَذَا مُراعَاةُ الطَّيِّبِ مِنَ الطَّعَامِ، المُتَوافِقِ مَعَ ضَوابِطِ الصِّحَّةِ وتَعالِيمِ الإِسلاَمِ، قَالَ تَعالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) (6) ، إِنَّ التَّغْذِيةَ السَّلِيمَةَ لِلْعُمَّالِ يَجنِي صَاحِبُ العَمَلِ ثَمَرَتَها قَبْلَ غَيْرِهِ، ويُبَارِكُ لَهُ اللهُ بِها فِي رِزقِهِ وخَيْرِهِ، إِنَّها تَبنِي الصَّحِيحَ مِنَ الأَجْسَامِ، القَادِرَةَ عَلَى القِيَامِ بِصِعَابِ المَهَامِّ، وقَدْ أَرشَدَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-  أُمَّتَهُ إِلَى مَا يُثْمِرُ لَهُمُ القُوَّةَ، ويَمْنَحُهُمُ النَّشَاطَ والفُتُوَّةَ، مُعتَبِراً أَنَّ الأَصِحَّاءَ الأَقوِياءَ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ مِنَ الضُّعَفاءِ، وفِي كُلٍّ خَيْرٌ، فَعَنْ أَبِي هُريْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-  أَنَّهُ قَالَ: ((المُؤمِنُ القَويُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وفِي كُلٍّ خَيْرٌ،  احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واستَعِنْ بِاللهِ ولاَ تَعْجَزْ، وإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ “لَو” تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))، هَذِهِ بَعْضُ حُقُوقِ الإِسلاَمِ لِلْعُمَّالِ، إِنَّها أَرْوَعُ صُوَرِ الرِّعَايَةِ لِبَنِي الإِنْسَانِ، وأَسْمَى أَشْكَالِ المُروءَةِ والإِحْسَانِ.
   فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، واحْرِصُوا عَلَى مَا فِيهِ سَلاَمَةُ عُمَّالِكُمْ، يُبَارِكِ اللهُ فِي أَعْمَالِكُمْ، ويَزِدْ فِي خَيْرِكُم وإِنْتَاجِكُمْ.
   أقُولُ قَوْلي هَذَا   وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ   لي وَلَكُمْ،   فَاسْتغْفِرُوهُ   يَغْفِرْ لَكُمْ    إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ،  وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ   إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.