مواصفات الموظف المسلم

image_pdfimage_print

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

      اعلَمُوا – رَحِمَنِي اللهُ وَإِيّاكُمْ- أَنَّ العَمَلَ فِي دِينِنَا الإِسلاَمِيِّ لَهُ مَكَانَةٌ عَالِيَةٌ، وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ سَامِيَةٌ، لِمَا لَهُ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ فِي بِنَاءِ الأُمَمِ وَالحَضَارَاتِ، وَرُقِيِّ الأَفْرَادِ وَالمُجتَمَعَاتِ، فَالأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ- وَهُمْ صَفْوَةُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ عَمِلُوا فِي شَتَّى المَجَالاَتِ وَالمَيَادِينِ، فَقَدْ عَمِلَ بَعْضُهُمْ فِي رَعْيِ الغَنَمِ وَالتِّجَارَةِ، وَالحِدَادَةِ وَالخِيَاطَةِ وَالنِّجَارَةِ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَلَهُ عَمَلٌ أَو مِهْـنَةٌ يَكْسِبُ عَيْـشَهُ وَرِزقَهُ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيَعِيبَهُمْ، أَو يُقلِّلَ مِنْ شَأْنِهِمْ، يَقُولُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : ((مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الغَنَمَ، قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ)).

إِنَّ الاشتغال فِي وظيفة أوعَمَلٍ أَو حِرفَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَاجِبٌ عَلَى الإِنْسَانِ القَادِرِ، ذَلِكَ لأَنَّ المُجتَمَعَاتِ لاَ يُمكِنُ أَنْ يُكْتَبَ لَهَا النَّجَاحُ وَالرُّقِيُّ إِلاَّ بِتَوظِيفِ أَبنَائِهَا فِي مُخْتَلَفِ الأَعْمَالِ، وَحَفْزِهِمْ عَلَى البَذْلِ وَالعَطَاءِ وَنَبْذِ الاتِّكَالِ .

ومن أهم الأعمال التي يمارسها الناس : العمل في الوظيف العمومي .

إن الوَظِيفَةَ فِي مَفْهُومِهَا الدقيق هِيَ تَقْدِيمُ خِدْمَةٍ أَو عَمَلٍ تَتَحَقَّقُ بِهَا مَصَالِحُ العِبَادِ، وَتَحْصُلُ مِنْهَا مَنِافِعُ تَعُمُّ البِلاَدَ، وَالوَظِيفَةُ تَتَضَمَّنُ مَجْمُوعَةً مِنَ الوَاجِبَاتِ وَالمَسؤولِيَّاتِ، وَتُوْجِبُ عَلَى شَاغلِهَا مَهَامَّ والتِزَامَاتٍ، مُقَابِلَ تَمَتُّعِه بِحُقُوقٍ مَادِّيَّةٍ وَامتِيَازَاتٍ، وَكُلُّ عَمَلٍ يُوَظَّفُ فِيهِ الإِنْسَانُ وَيَتْعَبُ فِيهِ مِنْ أَجْـلِ نَفْسِهِ وَأَهْـلِهِ وَوَطَنِهِ، فِيهِ ثَوابٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ، وَتَطْهِيرٌ لِلنَّفْسِ وَتَكْفِيرٌ لِلذُّنُوبِ، جَاءَ فِي بَعْضِ الآثَارِ: ((مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ لاَ يُكفِّرُهَا إِلاَّ الهَمُّ بِطَلَبِ المَعِيشَةِ   ))

    أَيُّهَا المُؤمِنُون الكرام ؛ أيتها المؤمنات الكريمات :

    إِنَّ الوَظِيفَةَ العمومية في الإدارة مَسؤُولِيَّةٌ وَأَمَانَةٌ، ينبغي أن لاَ يَشْغَلُهَا إِلاَّ مَنْ يَستَحِقُّهَا، وَلاَ يَستَحِقُّهَا إِلاَّ مَنْ تَوافَرَتْ فِيهِ شُرُوطُ عَمَلِهَا وَأَدَائِهَا، أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَصْطَفِ طَالوتَ عَلَى قَوْمِهِ إِلاَّ لأَنَّهُ قَدْ حَازَ صِفتَيْنِ مَطْلُوبَتَيْنِ قَدْ تَوَافَرَتَا فِيهِ، وَتَنَاسَبَتَا مَعَ مَهَامِّهِ وَمَا يُوكَلُ إِلَيْهِ، أَلاَ وَهِيَ صِفَةُ العِلْمِ وَالقُوَّةِ، ((قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ))(2).

وَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَنْصَحُ أَصْحَابَهُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُم – بِألاَّ يَتَولَّى الأَعْمَالَ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَستَعْمِلُنِي؟ -أَي هَلاَّ وَكَلْتَ إِليَّ عَمَلاً أَقُومُ بِهِ- قَالَ: فَضَربَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهِا وَأَدَّى الذِي عَلَيْهِ فِيهَا)).

إِنَّ الأَمَانَةَ وَالقُدْرَةَ عَلَى تَحَمُّلِ المَسؤُولِيَّةِ مِعْيَارٌ أساسي لِشَغْلِ الوَظِيفَةِ عِنْدَ تَزَاحُمِ المُتَنَافِسِينَ، وشرط ضروري لِلالتِحَاقِ بِسِلْكِ المُوَظَّفِينَ، فَالأَكْفَاءُ هُمُ الذِينَ يَستَطِيعُونَ القِيَامَ بِالعَمَلِ بِإِجَادَةٍ وإِتْقَانٍ، وَأَدَاءَهُ بِجَدَارَةٍ وَاستِحْسَانٍ، قَالَ تَعَالَى: ((وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))(3).

وَإِنَّ وَضْعَ الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ يُحَـقِّقُ لِلْوَظِيفَةِ الغَايَةَ المَرْجُوَّةَ، فَيُحْصَدُ مِنْهَا أَطْيَبُ الثِّمَارِ اليانِعَةِ، وَأَفْضَلُ النَّتَائِجِ النَّافِعَةِ، أَمَّا مَنْ كَانَ تَوظِيفُهُ مِنْ مَبْدأِ الخِدْمَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالقَرَابَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَهُوَ غَيْرُ كُفءٍ لِلْوَظِيفَةِ، فَإِنَّهُ لاَ مَحَالَةَ سَيَخْلُقُ عُطْلاً فِي أَدَاءِ العَمَلِ، فَتُصَابُ المؤسسة مِنْ جَانِبِهِ بِضَعْفٍ وَخَلَلٍ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِلْوَظِيفَةِ وَلَيْسَ مِنَ الأَكْفَاءِ، فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُ النَّاسِ أَو تَضِيعُ حُقُوقُهُمْ، وَقَدْ يَتَرتَّبُ عَلَى المُحَابَاةِ فِي التَّوظِيفِ انْتِشَارُ الظُّلْمِ وَالأَحقَادِ، فَتَسُودُ الأَثَرَةُ وَالأَنَانِيَّةُ بَيْنَ الأَفْرَادِ، وَلِذَلِكَ نَهَى الإِسلاَمُ عَنِ المُحَابَاةِ فِي تَولِيَةِ غَيْرِ الأَكْفَاءِ فِي الوَظَائِفِ وَالأَعْمَالِ، إِنَّ مِنْ وَاجِبِ المَسؤولِينَ الذِينَ وُكِلَ إِلَيْهِمُ اختِيَارُ الأَشْخَاصِ لِلْوَظَائِفِ أَنْ يُراعُوا فِي المُتَقدِّمِينَ شُروطَ مُتَطَلَّبَاتِ الوَظِيفَةِ وَمُؤهِّلاَتِهَا، وَاجتَيَازِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ اختِبَارَاتِهَا، مِنْ غَيْرِ انْحِيَازَاتٍ شَخْصِيَّةٍ، وَلَكِنْ مِنَ مَبْدأِ الكَفَاءَةِ وَالأَفْضَلِيَّةِ، فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي فُرَصِ العَمَلِ المُتَاحَةِ العَدْلُ وَالمُسَاوَاةُ، وَتَنْـتَفِي الانْحِيَازِيَّةُ وَالمُحَابَاةُ، وَيَسُودُ التَّعَاوُنُ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجتَمَعِ لِمَا فِيهِ صَلاَحُ مُجتَمَعِهِمْ، وَمَنْفَعَةُ بَلَدِهِمْ، قَالَ تَعالَى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))(4)

    عِبَادَ اللهِ :

 إِنَّ الوَظِيفَةَ العمومية ليست لِلْمُوظَّفِ تَشْرِيفٌ فحسب ، بل هي أَمَانَةٌ وَتَكْلِيفٌ، لِذَلِكَ أَمَرَ الإِسلاَمُ بِالتَّقَيُّدِ بِضَوابِطِ الوَظِيفَةِ وَصَلاَحِيَّاتِهَا، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يُنَافِي الأَمَانَةَ فِي أَدَائِهَا، لأَنَّ الوَظِيفَةَ عَقْدٌ بَيْنَ رَبِّ العَمَلِ وَالمُوَظَّفِ، وَجَبَ عَلَى كِلاَ الطَّرَفَيْنِ احتِرَامُ ذَلِكَ العَقْدِ، والالتِزَامُ بِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ عَهْدٍ، فَالمُسلِمُونَ عِنْدَ شُروطِهِمْ، قَالَ تَعَالَى:((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))(5)، وَمِنَ الأَمَانَةِ فِي الوَظِيفَةِ أَنْ يَحْرِصَ المُوَظَّفُ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِهِ كَامِلاً فِي العَمَلِ الذِي عُهِدَ إِلَيْهِ، وَحُقُوقِ النَّاسِ التِي وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلاَ يُهْمِلُ فِي أَدَاءِ أَيِّ عَمَلٍ مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا، يَقُولُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : ((مَنِ استَعمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهى))، وَإِذَا مَا أُسنِدَتْ إِلَيهِ مَهَامُّ إِنْجَازِ المُعَامَلاَتِ، وَمَا يَخُصُّ المُواطنينَ عَلَى اختِلاَفِ أحوالهم ، فَعَلَيْهِ أَلاَّ يُحَابِيَ أَحَدًا فِي المُعَامَلَةِ، أَو يُقَدِّمَ شَخْصًا لِمَصلَحَةٍ أَو مَنْفَعَةٍ شَخْصِيَّةٍ، لأَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْحَافًا بِحُقُوقِ الآخَرِينَ، حَذَّرَ مِنْهُ رَبُّ العَالَمِينَ، إِذْ قَالَ المَولَى عَزَّ وَجَلَّ: ((وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ))(6).

إِنَّ المُوَظَّفَ الذِي يَسْعَى فِي وَظِيفَتِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاوِنًا مَعَ المُواطنينَ فِي إِنْجَازِ مُعَامَلاَتِهِمْ، دَائِمَ الحِرْصِ عَلَى عَدَمِ تَجَاهُلِهِمْ، يَنَالُ مِنْ عَمَلِهِ هَذَا حُبَّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرِضَاهُ، ويُكْتَبُ لَهُ السَّعَادَةُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، فَلَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ))، إِنَّ هَذَا الأَجْرَ إِنَّمَا يَنَالُهُ المُوَظَّفُ إِذَا بَادَرَ فِي إِنْجَازِ سَائِرِ المُعَامَلاَتِ، مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ أَو اختِلاَقِ عَقَبَاتٍ .

وإِنَّ استِشْعَارَ المَسؤُولِيَّةِ وَالمُبَادَرَةَ فِي إِنْجَازِ العَمَلِ يُبْعِدُ عَنِ العَامِلِ تَرَاكُمَ الأَعْمَالِ؛ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إِنْجَازُهَا، وَلاَ يَتَسبَّبُ فِي تَأْجِيلِ مُعَامَلاَتِ النَّاسِ أَو تَعْطِيلِهَا، وَإِذَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ إِنْجَازِ العَمَلِ وَالمُبَادَرَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ أَمْرًا يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ، أَلاَ وَهُوَ أَخْذُ الرِّشْوَةِ لإِنْجَازِ العَمَلِ، لأَنَّهُ مَسلَكٌ شَائنٌ فَي إِنْجَازِ العَمَلِ لَدَى المُوَظَّفِينَ، كَيْفَ لاَ؟ وَالرِّشْوَةُ سُحْتٌ وَحَرَامٌ، حَذَّرَ مِنْهَا دِينُ الإِسلاَمِ، إِذْ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: ((لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ))، وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنِ استَعْملْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزقْنَاهُ، فَمَا أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ- أَي فَهُوَ خِيَانَةٌ وَسَرِقَةٌ لاَ تَجُوزُ-))، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))(7).

وَإِذَا مَا وُكِلَ إِلَى المُوَظَّفِ مُرَاقَبَةُ مَشْروعٍ مَا، فَمِنَ الأَمَانَةِ أَنْ يُرَاعِيَ المُواصَفَاتِ المَطْلُوبَةَ التِي أُعِدَّتْ لِذَلِكَ المَشْروعِ، فَلاَ يجوز له أن يخالف الشروط القانونية الصارمة لتمرير ذلك المشروع ، فَيَتَسَبَّبَ بِأَضْرارٍ جَسِيمَةٍ عَلَى البِلاَدِ وَالعِبَادِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ قَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ، وَغَشَّ فِي وَظِيفَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ))(8)، إِنَّ الأَمَانَةَ فِي الوَظِيفَةِ حِمْلٌ عَظِيمٌ، لاَ يَتَميَّزُ بِهَا إِلاَّ المُوظَّفُ المُخْلِصُ الذِي استَشْعَرَ المَسؤُولِيَّةَ وَتَحلَّى بِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، فَلَمْ يُفَرِّطْ فِيمَا وُكِلَ إِلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ عَلَى الإِطْلاَقِ؛ لإِيمَانِهِ بِأَنَّ المَولَى عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ رَقِيبٌ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ حَسِيْبٌ، وَشُعُورِهِ تِجَاهَ وَظِيفَتِهِ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ العَمَلِ حِفْظَ الأَمَانَةِ وَعَدَمَ التَّفْرِيطِ فِيهَا.

    فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- فِي وَظَائِفِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، وَسَخِّرُوهَا لِمَا فِيهِ مَصلَحَةُ مُجتَمعَاتِكُمْ، يَرْضَ رَبُّكُمْ عَنْكُمْ، ويُحَـقِّقْ لَكُمْ جَمِيعَ آمَالِكُمْ.

    أقُولُ قَوْلي هَذَا   وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ   لي وَلَكُمْ،   فَاسْتغْفِرُوهُ   يَغْفِرْ لَكُمْ    إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ،  وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ   إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

الثانية : أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :

    إِنَّ عَلاَقَةَ المُوظَّفِ بِوَظِيفَتِهِ عَلاَقَةٌ يَربِطُهَا حُبُّ أَدَاءِ العَمَلِ وَإِتْقَانِهِ، وَالسَّعْيُ نَحْوَ التَّمَيٌّزِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ واستِهَانَةٍ، فَالسَّعْيُ لإِتْقَانِ العَمَلِ لِلْمُوظَّفِ مَطْلَبٌ وَأَمَانَةٌ، حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ)). إِنَّ المُوظَّفَ المِثَالِيَّ دَائِمُ التَّميُّزِ فِيمَا يُوكَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَالٍ، لاستِشْعَارِهِ بِرَقَابَةِ اللهِ الوَاحِدِ المُتَعَالِ، فَهُوَ دَائِمُ الالتِزَامِ بِالحُضُورِ وَالانْصِرَافِ فِي وَقْتِ العَمَلِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، لاَ يُبَدِّدُ وَقْتَ عَمَلِهِ فِيمَا لاَ طَائِلَ مِنْهُ، وَلاَ يَتَذمَّرُ مِنَ العَمَلِ المَوكُولِ إِلَيْهِ، فهو دَائمُ السَّعْيِ لِخِدْمَةِ الآخَرِينَ فِي تَسْهِيلِ أُمُورِهِمْ، وَإِنْهَاءِ مُعَامَلاَتِهِمْ، مُحْـتَسِبًا الأَجْرَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ وَظِيفَتِهِ، لِيَنَالَ مِنْ عَمَلِهِ هَذَا مَنَازِلَ الأَبْرَارِ، وَالأَمْنَ مِنْ عَذَابِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، مِصْدَاقًا لِقَولِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ قَالَ: ((إِنَّ لِلهِ تَعَالَى عِبَادًا اختَصَّهُمْ بِحَوائِجِ النَّاسِ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي حَوائِجِهِمْ، أُولَئكَ الآمِنُونُ مِنْ عَذَابِ اللهِ))، كَمَا أَنَّ الصِّدقَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ المُوَظَّفِ المِثَالِيِّ، فَهُوَ يَتَحَرَّى الصِّدقَ فِي قَولِهِ وَعَمَلِهِ، وَأَمَامَ مَسؤولِيهِ وَزُمَلاَئهِ، قَالَ تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ))(9)، وَالمُوظَّفُ المِثَالِيُّ مُخْلِصٌ فِي عَمَلِهِ، بَعِيدٌ عَنْ مَسلَكِ التَّزْوِيرِ فِي المُعَامَلاَتِ، وَالتَّقَاعُسِ عَنْ إِنْجَازِ المُعَامَلاَتِ، كَمَا أنَّ التَّواضُعَ صِفَةٌ مُلاَزِمَةٌ لَهُ فِي مَكَانِ عَمَلِهِ وَخَارِجَهُ، يَقُولُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : ((مَنْ تَواضَعَ لِلهِ رَفَعَهُ اللهُ))، فَالمَسؤولُ المُتَواضِعُ يَتَفقَّدُ زُمَلاَءَهُ المُوظَّفِينَ ويُرَاعِي حَاجَاتِهِمْ، وَيَحفِزُهُمْ لأَدَاءِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى الوَجْهِ المَطْلُوبِ، فَيَشِيعُ رُوحُ الفَرِيقِ الوَاحِدِ بَيْنَ المَسؤُولِ وَالعَامِلِينَ مَعَهُ، وَيُفْسَحُ المَجَالُ بَيْنَ المُوَظَّفِينَ لِتَقْدِيمِ النُّصْحِ فِيمَا يَخُصُّ مَصْلَحَةَ العَمَلِ، وَكَذَا المُوظَّفُ المِثَالِيُّ يَتَواضَعُ لِزُمَلاَئهِ المُوظَّفِينَ، كَمَا يَتَواضَعُ لجميع المواطنين على مستوى المرفق العمومي ، فَيُقَدِّرُ حَاجَاتِهِمْ، وَيَجتَهِدُ فِي خِدْمَتِهِمْ، وَيَسْعَى لاحتِرَامِهِمْ، فَهُوَ دَائمُ البَشَاشَةِ عِنْدَ لِقَائِهِمْ؛ لِقَولِهِ -صلى الله عليه وسلم- : (( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ))، فَحَرِيٌّ بِالمُوظف المسلم أَنْ يُعَامِلَ زُمَلاَءَ العَمَلِ وَالمُوَاطنينَ بِالحُسْنَى، قَالَ تَعَالَى: ((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا))(10)، كَمَا أَنَّ العَدْلَ وَاجِبٌ عَلَى رَبِّ العَمَلِ وَمَسؤولِيهِ أو المدير تِجَاهَ المُوظَّفِينَ، وَذَلِكَ بِالمُسَاوَاةِ فِي جَمِيعِ الحُقُوقِ بَيْنَ المُتَمَاثِلِينَ، فَلاَ يُمَيِّزُ مُوَظَّفًا عَلَى غَيْرِهِ عَلَى أَسَاسٍ شَخْصِيٍّ، أَو يَظْلِمُهُ فِي تَقْوِيمِ أَدَائِهِ السَّنَوِيِّ، فَفِي ذَلِكَ إِخْلاَلٌ بِمَبْدأِ العَدَالَةِ فِي الوَظِيفَةِ وَوُقُوعٌ فِي الظُّلْمِ الذِي حَرَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الشَّرِيفِ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا)). إِنَّ المُوَظَّفَ المِثَالِيَّ حَرِيصٌ عَلَى كَسْبِ المَهَارَاتِ وَالخِبْرَاتِ، وَبَذْلِ الجُهْدِ لِيَرتَقِيَ فِي وَظِيفَتِهِ أَعلَى المَنَاصِبِ وَالدَّرَجَاتِ، قَالَ تَعَالَ: (( ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا))(11)، وَهُوَ حَرِيصٌ أَيْضًا عَلَى سُمْعَةِ وَظِيفَتِهِ وَأَسْرَارِهَا، فَلاَ يُفْشِي أَسْرَارَ مِهْـنَتِهِ، وَلاَ يُسِيءُ إِلَى سُمْعَةِ وَظِيفَتِهِ، لِمَا فِي الوَظِيفَةِ مِنْ أَسْرَارٍ تَخُصُّ المُوَظَّفِينَ، وَتَتَعلَّقُ بِمَصَالِحِ المُواطنينَ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الإِسلاَمَ قَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: ((استَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالكِتْمَانِ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ((
    فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واعلَمُوا أَنَّ المُوَظَّفَ المسلم المِثَالِيَّ قُدْوَةٌ يُحتَذَى بِهِ فِي أَدَاءِ الأَعْمَالِ، وَأُنْمُوذَجٌ نَاجِحٌ فِي الحُصُولِ عَلَى التَّرقِيَةِ وَبُلُوغِ الآمَالِ.

وفي الختام ؛ هذا يوم الجمعة المبارك المشهود ، وها قد سمعتم إلى موضوع الخطبة التي قدر الله لنا أن نتناصح فيها ؛ فإن عملنا وطبقنا بما تعلمنا وبما تفقهنا ؛ فإنا نحن الفائزون السعداء الفائزون .

ولا تكونوا من الذين قال الله عز وجل عنهم : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) [ محمد :16] ، ولكن كونوا من الذين قال فيهم : (  وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) [محمد : 17]

فاللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
   اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعاً مَرْحُوْماً، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقاً مَعْصُوْماً، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْماً.
   اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
   اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَاناً صَادِقاً ذَاكِراً، وَقَلْباً خَاشِعاً مُنِيْباً، وَعَمَلاً صَالِحاً زَاكِياً، وَعِلْماً نَافِعاً رَافِعاً، وَإِيْمَاناً رَاسِخاً ثَابِتاً، وَيَقِيْناً صَادِقاً خَالِصاً، وَرِزْقاً حَلاَلاً طَيِّباً وَاسِعاً، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.

   اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظِّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.

   اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.

   رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
   رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.

   رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.
   اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.

 عِبَادَ اللهِ :

))إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ((.

(1)سورة آل عمران/ 102.
(2) سورة البقرة/ 247.
(3) سورة النساء/ 128.
(4) سورة المائدة/ 2.
(5) سورة المائدة/ 1.
(6) سورة الأعراف/ 85.
(7) سورة آل عمران/ 161.
(8) سورة الأنفال/ 27.
(9) سورة التوبة/ 119.
(10) سورة البقرة/ 83.
(11) سورة الأنعام/ 132.
(12) سورة الأحزاب / 56 .